فصل: (المحتاج لا يتصدق):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الإنافة فيما جاء في الصدقة والضيافة (نسخة منقحة)



.السادسة والعشرون:

قال الغزالي: اختلف العلماء في أن الأفضل للإنسان أن يكتسب المال ويصرفه إلى المستحقين أو يشتغل بالعبادات، وهذا فيمن يسلم من آفات الدنيا، وإلا فالعبادة له أفضل، وينبغي أن يجتهد في ذلك، ويزن الخير والشر ويفعل ما يدل عليه نور العلم دون طبعه وما يجده أخف على قلبه، فهو في الغالب إصر عليه، لأن النفس لا تشير إلا بالشر. انتهى.

.السابعة والعشرون:

يكره إمساك الفضل غير المحتاج إليه كما بوب عليه البيهقي واستدل له، وسيأتي في الحادية والثلاثين لذلك مزيد تحرير.
وذكر ذلك في المجموع ما يناسب ذلك حيث قال: ما حاصله: فرع في ذم البخل والشح والحث على الإنفاق في الطاعات ووجوه الخيرات؛ قال الله تعالى: «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحون».
وقال تعالى: «وَلا تَجَعَل يَدَكَ مَغلولَةً إِلى عُنقِكَ».
وقال تعالى: «وَما أَنفَقتُم مِن شَيءٍ فَهوَ يُخلِفُهُ».
وفي حديث مسلمس: «واتقوا الشخ، فإن الشخ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم».
وروى الشيخان أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط مسرفا تلفا».
وروي أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «قال الله تعالى: أنفق، أنفق عليك».
وروي مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «في شاة ذبحوها، وتصدقوا بها، إلا كتفها ثم قالوا: له: ما بقي إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها».
وروى أيضا: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
ومرت هذه الأحاديث في جملة الأحاديث السابقة.
وبحث بعضهم أنه لا يكره إلا إمساك ما زاد عن سنة.
ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ربما حزن لعياله قوت سنتهم، ومن ثم قالوا: لو كان بالناس ضرورة، وعنده ما يفضل عن قوته، وقوت عياله سنة، لزمه بيع الفضل، فإن لم يفعل أجبره السلطان على بيعه. انتهى.
فأبقوا له قوت السنة مع ما بالناس من الضرورة، ولم يجوزا إجباره على بيع شيء منه، والكلام في غير حالة الإضطرار، والإلزام غير المحتاج حالاس، وإن إحتاج مالا لليع كما مر أوائل هذا الباب؛ في الروضة في باب السير عن الإمام، وأقراه أنه يجب على الموسرين المواساة بما زاد على كفاية سنة.

.الثامنة والعشرون:

قال في المجموع يكره للإنسان أن يسأل بوجه الله إلا الجنة وصح بإسناد على شرط الشيخين أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه».
وفي رواية: «فاثنوا عليه، بدل فادعوه له».
ومر الحديث بطرقه:
قال الحليمي: ولو سأل الفقير بالله تعالى، فإن علم أن المسؤول يهتز لإعطائه جاز له ذلك، وإن كان ممن يتلوى ويتضجر، ولا يأمن أن يرده فحرام عليه السؤال بالله تعالى. انتهى.
وظاهر كلام المجموع عدم الحرمة مطلقا، وله وجه ظاهر.

.التاسعة والعشرون:

قال في المجموع أيضا إذا عرض عليه مال من حرام على وجه يجوز أخذه ولم يكن فيه مسألة ولا إشراف ولا يطلع إليه، جاز له أخذه بلا كراهة، ولا يجب، وقال بعض أهل الظاهر: يجب.
وفي المسألة أحاديث تقدم كثير منها، وفيها ما ظاهره وجوب القبول، لكنه محمول عند العلماء على أنه أمر ندب، نحو قوله تعالى: «وَإذا حَلَلتُم فاصطاوا».
ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان: عن عمر رضي الله تعالى عنه: «كان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا. فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: خذه، وما جاءك من هذا المال وأنت عليه غير مشرف ولا سائل، فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك».
وكان عبد الله ابنه لا يسأل أحدا شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه.

.[الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصاير؟]:

.الثلاثون:

اختلف العلماء المتقدمون والمتأخرون في أن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر والذي رجحه الغزالي في موضع أن الغني الشاكر أفضل، وهذا هو الذي عليه الأكثرون، واختاره العز بن عبد السلام، وتبعه تلميذه ابن دقيق العيد، فقال: إنه الظاهر القريب من النص.
وأطال الغزالي في الاستدلال له قال: وهو الذي نفسه كنفس الفقير، ولا يصرف لنفسه إلا قدر الضرورة، ويصرف الباقي في وجوه الخيرات أو يمسكه معتقدا أنه يمسكه خازنا للمحتاجين ينتظر حاجة حتى يصرفه فيها لله تعالى، فهذا هو الغني الشاكر الذي الخلاف فيه.
ورجح في موضع آخر ما عليه أكثر الصوفية، أن الفقير الصابر أفضل، وأشار إلى أن الخلاف في الفقير الذي يجد مرارة الصبر.
والفقير الراضي الذي لا يجده مرارة الفقير الشاكر الذي بحلول الفقير فهو أفضل قطعا.
واستدل ابن عبد السلام وغيره لما رجحوه، من أن الغني الشاكر أفضل بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم استعاذ من الفقر.
قال: ولا يجوز حمله على فقر النفس، لأنه خلاف الظاهر بغير دليل، وبأن أخرجا له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الغني بخيبر وفدك والعوالي وأموال بني النضير وغيرها.
وكذا من تأخر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وإذا كان أغلب أحواله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الفقر إلى أن أغناه الله تعالى بما ذكر، لأن الأنبياء والأولياء لا يأتي عليهم يوم إلا والذي بعده خير منه.
وقد ختم أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالغني، ولم يخرجه عما كان يتعاطاه في فقره من البذل، لا يقال انتصارا للثاني، إنما استعاذ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من الفقر لأنه مصيبة من مصائب الدنيا، والغنى نعمة من نعمها فور أنهما الرضى والعافية، فكون الرضى فيه الثواب، لا يمنع سؤال العافية.
وأيضا فالذي اختاره الله تعالى لنبيه وجمهور صحابته هو الفقر غير المدقع.
وأيضا فالفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء وبخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة يسألون عن فضول أموالهم.
لأنا نقول الجواب: أما عن الأول: فهو أنه لا دلالة فيه لترجيح أفضلية الفقير الصابر كماهو ظاهر.
وأما عن الثاني: فهو أنه مردود بما مر من أن الذي ختم به أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هو الغنى.
أما عن الثالث: فهو أنه فرض الكلام في الأغنياء، الذين هم ليسوا من محله الخلاف، لأنهم المحبوسون يسألون عن فضول أموالهم، فيما أنفقوها، والغني الذي الكلام فيه، قد أخرج ماله جميعه لله تعالى في الذي يسأل عنه، على أن سبق الدخول إلى الجنة لا يدل على الأفضلية، بل قد يكون التأخر لمزية تظهر لذلك المتأخر في الموقف حتى يشاهدها الحاضرون، ثم ويظهر تميزه بها على من دخل قبله وبعده.

.[المحتاج لا يتصدق]:

.الحادية والثلاثون:

إذا كان محتاجا إلى ما عنده لنفقة نفسه أو عياله فقيل لا تسن له صدقة التطوع ولا تكره، وبه قطع الماوردي والغزالي وجماعات من الخراسانيينس، وتابعهم الرافعي، وظاهر نص المختصر يوافقهم؛ ولفظه: أحب أن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، لأن نفقة من يعول فرض، والفرض أولى به من النفل، ثم بقرابته، ثم من يشاء.
وعبارة الماوردي: صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكاة، والكفارات وقبل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات غير مستحبة، ولا مختارة، واستدلوا بالإباحة بحديث الصحيحين وغيرهما: أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، وقال لامرأته نومي الصبيان، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية {وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصاصة}. وقيل يكره، وبه قطع المتولي.
والثالث هو الأصح عند النووي وغيره حرمة الصدقة، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق في المهذب والتنبيه، وشيخه القاضي أبو الطيب، والدارمي وابن الصباغ، والبغوي، وصاحب البيان وآخرون.
قال في المجموع بعد ذكره ذلك، والجواب عن الحديث الذي احتج به الأولون من وجهين: أحدهما: أن هذا ليس من باب صدقة التطوع، إنما هو من باب الضيافة، والضيافة لا يشترط فيها الفضل على عياله ونفسه لتأكدها وكثرة الحث عليها، حتى أن جماعة من العلماء أوجبوها.
الثاني: أنه محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين، بل كانوا قد أكلوا حاجاتهم، وأما الرجل وامرأته فتبرعا بحقهما، وكانا صابرين فرحين بذلك، ولهذا جاء في الآية والحديث الثناء عليهما. وقوله: «نومي صبيانك، لا يدل على أنهم كانوا جياعا، لأنهم لا يتركون الأكل عند حضور الطعام، وإن كانوا غير جياع، فخاف إن بقوا مستيقظين أن يطلبوا الأكل على العادة فينكدوا عليهما وعلى الضيف لقلة الطعام». انتهى.
وما ذكره من أن الضيافة لا يشترط فيها الفضل، خالفه في شرح مسلم، فيسوي بينها وبين الصدقة في تحريمها بما يحتاجه، ولعل هذا أقرب، وإن مشى جمع متأخرون على ما في المجموع من الفرق بينهما، ووجه ترجيحي بما في شرح مسلم أن نفقة عياله أكد لوجوبها إجماعا، بخلاف الضيافة سيما والكلام إنما هو في شافعي، وهو لا يعتقد وجوبها، فكيف يقدم ما لا يعتقد وجوبه على ما هو واجب عليه بالإجماع، ولو كان الفرد في مجرد التقديم مع عدم فوات الواجب الآخر الذين تلزمه نفقتهم بالإجماع، فنتج أن حقهم أقوى وألصق به، فتعين تقديمهم وعلى ما في المجموع. فيتعين تقيد الضيف بما إذا لم يؤد ذلك إلى إلحاق ضرر بهم لا يطاق عادة، والأوجب تقديمهم اتفاقا فيما يظهر في عيال غير بالغين أو غيره عقلا، أما البالغون العقلاء إذا رضوا بتقديم غيرهم عليهم فالأفضل التصدق، كما بحثه في المطلب، وصرح به ابن عصرون في كلامه على قصة الصديق رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه في تصدقه بجميع ماله، والذي يتجه أن محل ذلك فيمن يصبرون عليها، فنهاية أمرهم أنهم كالمتصدق إذا أراد أن يتصدق بما يحتاجه لنفسه، وحكمه أنه صبر على الإضافة يسن له التصدق بجميع الفاضل عن كفايته، وإن لم يصبر حرم عليه، فإذا جرى هذا التفضيل في المتصدق نفسه فأولى أن يجري في مؤنة البالغ العاقل إذا رضي، ثم المراد بكفايته إن لم يصبر على الإضافة، وبكفاية من تلزمه مؤنة كفاية يوم وليلة، وكسوة فصل، فهذا هو الذي يحرم التصدق به دون ما زاد عليه، هذا هو الظاهر الذي قاله جماعة أخذا من كلام الإحياء، وليس المراد بذلك ما يكفيهم حالا فقط، ولا ما يكفيهم سنة.
قال الأذرعي: قد يقال يدخر لنفسه وعياله قوت سنة، ولا يتصدق بالفاضل إذا لم يتوقع حصول شيء قبل مضي عام.
وأيده غيره لقوله في الروضة في السير عن الإمام، وأقره يجب على الموسر من المواساة بما زاد على كفاية سنة. انتهى.
ولك أن تقول إن أراد الأول أخذا من جواز التصدق، بل ندبه على ما زاد عن كفاية يوم وليلة وكسوة فصل.
وما في الروضة لا يدل للأذرعي، لأن وجوب البذل يحتاط له أكثر، فلا يلزم من اعتبار السنة اعتبارها في المطلوب الذي هو صدقة التطوع.بقوله لا يتصدق بالفاضل، الخ، أن التصدق بشيء من نفقة السنة حرام كان بعديا جدا ومخالفا لكلامهم، وإن أراد كراهة التصدق بذلك كان له نوع اتجاه، لكن الظاهر وما ذكرته من حرمة التصدق بما يحتاجه الإنسان لنفسه إذا لم يصبر على الإضافة هو المعتمد، وأما في الروضة من عدم التحريم، واغتر به جماعة، فمحمول على من صبر على الإضافة كما أفاده كلام المجموع، وعلى الأول أعني الحرمة مع عدم التبصر حرام على ما قالوه في التيمم من حرمة إيثار عطشان آخر بالماء، وعلى الثاني أعني الحل مع الصبر حمل ما قالوه في الأطعمة من أن للمضطر أن يؤثر على نفسه مضطرا آخر مسلما، أما ما فضل عن حاجة نفسه ومؤنة يومهم وليلتهم وكسوة فصلهم، فيسن التصدق بجميعه إن صبر على الإضافة وإلا كره كما في المهذب وغيرهس. وعلى هذا التفصيل جملة الأخبار المختلفة، منها الخبر الصحيح أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه تصدقن بجميعب ماله، فأثنى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بذلك.
والخبر الصحيح أن رجلا جاء بمثل البيضة من ذهب، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عنه إلى أن أعاد عليه القول ثلاث مرات، ثم أخذها ورماه بها رمية لو أصابته لأوجعته، ثم قال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف وجوه الناس.
خير الصدقة ما كان على ظهر غنى أي غنى النفس وصبرها على الفقر، وخرج بجميع الفاضل بعضه فيسن التصدق مطلقا إلا أن يكون قدرا يقارب الجميع، فالأوجه جريان التفصيل السابق فيه.

.[الدين والصدقة]:

.الثانية والثلاثون:

محل ما تقرر في الحادية والثلاثين فيمن لا دين عليه أما من عليه دين سواء طلب منه أم لا كما هو ظاهر فيحرم عليه التصدق بما يحتاجه لوفائه، كما قاله صاحب المهذب وشيخه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وآخرون يكره.
وقال الماوردي والغزالي وقال المتولي وآخرون لا يستحب.
قال في المجموع بعد حكاية ذلك، والمختار أنه إن غلب على ظنه حصول الوفاء من جهة أخرى فلا بأس بالصدقة، وقد يستحب وإلا فلا، وعلى هذا التفصيل يحمل كلام الأصحاب المطلق. انتهى.
وظاهر أن إبراء المدين من دين له على آخر مع احتياجه لقبضه منه في وفاء دينه حرام أيضا، لكن إن كان المدين المبرء مليا مقرا أو عليه بينة به، وغلبه من ظن حصول الوفاء من جهته يستلزم كونها ظاهرة الذي قيد به الغزالي وغيره، فلا اعتراض على المجموع في حذف هذا القيد لما علمت أن تعبيره بغلبة ظن الحصول من جهة تستلزم ظهورها نعم قول المجموع فلا بأس أن يستثنى منه ما إذا حصل بذلك تأخير وقد وجب وفاء الدين فورا بمطالبة أو غيرها، أي ككونه عصى بسببه أو كان ليتيم ونحوه، ولا مانع من الدفع فالوجه كما قاله الأذرعي وغيره وجوب المبادرة إلى إبقائه وتحريم الصدقة بما يتوجه عليه دفعه في دينه، وإن رجا وفاءه من جهة ظاهرة، وبما تقرر أنه لا فرق بين الدين الحال والدين المؤخل، وبين الزكاة وغيرها.
وبحث ابن الرافعة وتبعه القمولي إلحاق المؤجل بما يحتاجه لنفقة عياله في المستقبل، وأجاب عنه الأذرعي بأن الذمة مشغولة بالدين الآن بخلاف نفقة العيال في المستقبل.
قال أعني الأذرعي ولم يقل فيما أظن أن من عليه صداق أو غيره أنه إذا تصدق برغيف ونحوه مما يقطع بأنه لو بقي لم يدفعه إلى جهة الدين أنه لا يستحب له التصدق به، ولو قيل بكراهة الصدقة أو حرمتها على من عليه دين أي حال أو مؤجل سواء أرجة الوفاء أم لا لسد باب التطوع، فإن غالب الناس لا يخلو ذمته من دين معمر أو غيره، وحيث حرمة الصدقة بشيء لم يملكه المتصدق عليه على الأوجه، كما التيمم تصح هبة من لزمته كفارة أو ديون ماء يملكه لإمكان الغرف بأن الهبة فيها عقد والحرمة لا تنافية، لأنها ليست ذاتية له، والصدقة ليس فيها ذلك أو لا ملك فيها إلا الأخذ، وهو هنا حرام لذاته، وما كان حراما لذاته لا يقتضي الملك.
وبما ذكرته يعلم، وما بحثه ابن الرافعة: أن الصدقة حيث حرمت، كان في ملك الآخذ لها الخلاف في هبة الطهارة في الوقت، وخالفه الأذرعي ففرق بأنه هنا تعلق به حق آدمي، وهو نحو قريبه، وتوجه عليه صرفه حالا بخلاف الماء عند اتساع الوقت أو عند ضيقه، لأن له بدلا وهو التراب، أي فلا يملكه هنا جزما.